الشيخ عبد الغني النابلسي
270
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
المعنى فحدثت نسبة العلم إليه فهو المسمّى عالما . والرّحمة على الحقيقة نسبة من الرّاحم ، وهي الموجبة للحكم ، فهي الرّاحمة . والّذي أوجدها في المرحوم ما أوجدها ليرحمه بها وإنّما أوجدها ليرحم بها من قامت به . وهو سبحانه ليس بمحلّ للحوادث ، فليس بمحلّ لإيجاد الرّحمة فيه . وهو الرّاحم ولا يكون الرّاحم راحما إلا بقيام الرّحمة به ، فثبت أنّه عين الرّحمة . فمن ذكرته الرحمة ، أي تذكرته بمعنى علمته من قوله تعالى : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] أو تكلمت به من قوله تعالى للشيء كُنْ فَيَكُونُ . وقوله سبحانه : هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ( 1 ) [ الإنسان : 1 ] ، أي متكلما به لأنه ما ظهر إلا بنفس تكلم الحق تعالى به وهو ذكر اللّه تعالى الأكبر في قوله سبحانه : وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [ العنكبوت : 45 ] ، وقال تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [ البقرة : 152 ] ، أي أكثروا من ذكري حتى يظهر لكم أني ذاكركم بكلامي . وفي الحديث قال النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول اللّه تعالى : « يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته » « 1 » إلى أن قال في آخر الحديث : « ذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد ، عطائي كلام وعذابي كلام إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له كن فيكون » « 2 » . فقد رحم ، أي صار مرحوما بمجرد ذكرها له واسم الفاعل من صفة الرحمة هو الرحيم بصيغة المبالغة لكمال ظهورها في أهل الخصوص والراحم أيضا من غير مبالغة لظهورها في العموم والحكم الإلهي المنسوب إلى الرحمة الإلهية باعتبار توجهه على كل متصف بها ومرحوم بها من المراتب الأسمائية والكونية لا يتصف بالخلق ، أي بكونه مخلوقا لأنه ، أي ذلك الحكم أمر إلهي قديم توجبه ، أي تقتضيه المعاني الأسمائية والمراتب الصفاتية الأزلية والإمكانية الكونية لذواتها إذ لولاه لما ظهرت اعتباريتها أصلا . فالأحوال الأسمائية الإلهية لا موجودة في نفسها ولا في غيرها أصلا ولا
--> ( 1 ) رواه الترمذي في السنن ، باب 48 ، حديث رقم ( 2495 ) [ 4 / 656 ] ورواه أحمد في المسند عن أبي ذر ، حديث رقم ( 21405 ) [ 5 / 154 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رسالة « الدرة الفاخرة في تحقيق مذهب الحكماء والصوفية والمتكلمين » مطبوع في الدار بتحقيقنا .